هناك حقائق ثابتة متواترة أجمع عليها العُلماء ، وبإمكان القارئ الفطن بعد عرض هذه الحقائق أن يستنبط ما إذا كان التدخين حلالاً أو حراماً.
-
من المعروف أن كريات الدم الحمراء مغرمةٌ بأول أكسيد الكربون ، الناتج عن التدخين ، فإذا أخذت من هذا الغاز السام نصيباً فعلي حساب الأكسجين ، لذلك الذين يدخِّنون تشيع في كرياتهم هذه الغازات السامة وبالتالي تقلُّ لياقَتهم البدنية لضعف الأكسجين في كرياتهم الحَمراء وتقلُّ قدرتهم علي أداء المجهود .
- الشعيبات الهوائية بالرئة تضيق ، وتضيق إلي أن تُسَد عند المدخنين ومع ضيق هذه الشعيبات الهوائية يضيق التنفس ، ويكثر السُعال ، وفي قصبات الهواء في رئة الإنسان (أشعارٌ هُدْبِيّةٌ) تبطن السطح الداخلي لتلك القصبات، هذه الأشعار تتحرك نحو الأعلى دائماً لتدفع كل شيءٍ غريب إلي الحَنْجَرَة ، وهذا ما يسمه الأطباء ( القشع ) هذه الأشعار التي أكرمنا الله بها والتي هي موجودةٌ في داخل القصبة الهوائية ، والتي تتحرَّك دائماً نحو الأعلى لطرد كل شيءٍ غريب ، تصاب بالشَلل أو الخدر عند المدخنين ، لذلك يكثر السُعال ، ويضيق النَفَسُُ ، ويكثر القَشْعُ في قصباته الهوائية من دون أن يستطيع أن يخرجه خارج هذه القصبات، ويلتصق كل شيئ كريه علي الجدار الداخلي لتلك القصبات.
- مادة النيكوتين الموجودة في الدخان لها تأثيرٌ كبير علي ( غُدَّتَيّ الكّظَر ) وهما غدتان موقعهما فوق الكليتين ، الإنسان إذا أدرك خطراً فالعين تري ملامح الخطر ، تراه إحساساً ، وهذا الإحساس ينتقل إلي الدماغ إدراكاً ، والدماغ هو مَلِكُ الجهاز العصبي يحتوي مَلكة الجهاز الهرمونى ( الغدة النخامية ) ويترجم وجود مادة النيكوتين علي أنها خطراً متوقعاً ، وعليه فأن الغدة النخامية تعطي أمراً موحَّداً إلي غدتي الكظر في أن تتصرف تجاه ذلك.
فماذا تفعل غدتي الكظر ؟ يكون لها استجابة سريعة بأن تفرز مادةً أو هرمون ( الأدرينالين ) الذي يسهم في تسريع ضربات القلب ، ويسهم في رفع وتيرة خفقان الرئتين، وهذه المادة تُقَبِّض الأوعية كلها لتوفير الدم للعضلات ، كما أن تلك المادة أيضاً تزيد من لزوجة الدم ليُمْنَعَ النزيف ، وهذه المادة التي يفرزها الكَظَر من شأنها أن تزيد السُكَّر في الدم ، فالخائف يصفر لونه لضيق أوعيته ، ويضطرب قلبه ، ويزاد وجيب رئتيه أي ( يلهث ) وتزداد لزوجة دمه ، ويزداد سُكَّرَهُ في الدم كما أسلفنا.
إن فعل النيكوتين مشابهٌ تماماً لعمل هرمون الأدرينالين الذي تنتجه أجزاء متخصصة في الغدة الكظرية ، والمدخن دائماً أوعيته منقبضة ، ودائماً سكره في الدم أعلي من غيره ، ودائماً دمه أكثر لزوجةً ، ولزوجة الدم تُعَرِّض الإنسان إلي الجلطات وهذا أمر مسلم به ، ودائماً ضربات قلبه تزيد بمعدل من خمس عشرة إلي عشرين ضربة أكثر من غير المدخن ، هذه إحصائياتٍ دقيقة. كما أن ارتفاع ضغط الدم يزيد خمس عشرةَ في المائة عن غير المدخنين ، وانقباض الأوعية تسبب قصوراً في التروية للدماغ والقلب ، وازدياد لزوجة الدم تسبب احتمال ورود الجلطة ، أي تجمُّد الدم في الشرايين الحساسة في أعضاء الجسم المختلفة ، وازدياد الترسُّبات الدهنية لدي المدخن عن غيره يزيد من تصلُّب الشرايين ، وهذا يؤدي بالتبعية إلي ضعف القلب ونقص التروية في الدماغ والقلب ، وحدوث العواقب الوخيمة تباعا.
- يوجد مادةٌ في الدخان تسبب تلفاً في العَصب البصري وهي ( القطران ) وهناك حالاتٌ كثيرة من العمي أساسها التدخين ، وخصوصا لوجود تلك المادة.
والقطران في الدخان يسبب أيضا سرطان الرئة ، والفم ، والحنجرة ، والمريء. وقد أجري إحصاء في بلدٍ غربي بين المدخنين في عام 1912، فكان هناك في هذا البلد ( ثلاث مائة وأربعة عشرَ حالة سرطان رئة ) وفي عام 1985 تم عمل إحصاء أخر في نفس البلد وجد علي أثره أن هناك ( خمسة وثمانين ألف حالة سرطان رئة ) وذلك بعد انتشار التدخين فيها بشكل كبير، وهذا شيءٌ ثابت مقطوعٌ بصحَّته ومنطقي في تداعيات العواقب الوخيمة للتدخين.
- التدخين يعمل علي إحداث تقلص شديد يمنع بموجبه مرور الدم في الشعريات الدموية المُحيطية ، فإذا سُدَّت تلك الشعريات المحيطية في الأطراف مثل القدم والساق علي وجه الخصوص ، فإن ذلك يصيب المريض بمرضٍ خطير وهو ( الغرغرينه أو الموات ) في العضو المصاب وقد يضطر الفرد المصاب إلي بتر أحد أعضائه لانسداد الشعيرات في تلك الأطراف ، وهذا كله بسبب التدخين.
- يصاب المدخِّنون أحياناً بتقرُّحاتٍ في المعدة ، وبضعفٍ ووهنٍ جِنْسِيّ ، والمدخنون من النساء يصبن بكثرة الإجهاض ، والأطفال الذين تلدهن هؤلاء النسوة هم أقل وزناً من الأطفال الذين يولدون من أمهاتٍ غير مدخِّنات .
- نسبة الوفيات في الولادات أكثر بين المدخنات منها من غير المدخنات ، ونسبة وفاة الطفل بعد ولادته أيضاً أعلي.
وتلك كلها أشياء علميَّة مقطوعٌ بصحتها ، أصبحت معروفة ، وأصبحت متواترة . فالإنسان بعد هذا يتساءل : هل التدخين حرام ؟ علي كلٍ نضع بين أيديكم هذه الآيات الكريمة :
يقول الله تعالي في صورة النساء : " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " صدق الله العظيم ويقول الله تعالي في سورة البقرة الآية ( 195 ) " ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة " صدق الله العظيم.
ويقول تعالي في سورة الأعراف الآية ( 157 ) " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " صدق الله العظيم.
ويقول عليه الصلاة والسلام : (لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ) من الأذكار النووية.
ونهي عليه الصلاة والسلام عن كل مُسْكِرٍ ومُفَتِّر. فكل واحدٍ منكم ليستفتي قلبه ؛ كل هذه الأضرار التي تصيب الرئتين ، والحَلق ، والفم ، والجهاز الهضمي ، وجهاز إفراز الفضلات ، وجهاز الدوران ، والقلب ، والدماغ ، كل هذه الأضرار ما دام الله عزَّ وجل يقول : " ويحرم عليهم الخبائث "
فينبغي أن يستعمل الإنسان عقله ، ويفكر هنيهة علي كلٍ ما من إعلانٍ للدخان في العالم إلا وشركة الإعلان ملزمةٌ أن تكتب : " إن هذا الدخان يضر بصحة المُدخنين " فليسأل الإنسان نفسه أين عقله عندما يقرأ ذلك؟
فلا قيمة للمال إذا ذهبت الصحة ، كما أنه لا قيمة للصحة إذا ذهب الهُدي ، وأوّل نِعَم الله عزَّ وجل علينا هو الهدي، وثانيها الصحة ، وثالثها الكفاية ، أي أن تكون مكتفياً ، فالصحة نعمةٌ عُظمي ، والمدخنون يتلفونها بأيديهم، والإنسان العاقل لا يعيش لحظته ولكن يعيش مستقبله ، فلو استمر علي هذه العادة السيِّئة مصيره كمصير مئات الألوف من الناس الذين يُعانون من أمراضَ وبيلة ، كانوا في استغناءٍ عنها لو استعملوا عقولهم ولو للحظة.